وهبة الزحيلي
8
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ثم أنذر اللّه تعالى الأجيال الحاضرة والمستقبلة فقال : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ أي ألم يتعظوا بمن أهلك اللّه قبلهم من المكذبين للرسل كعاد وثمود ، وأنهم لا رجعة لهم إلى الدنيا ، خلافا لما يزعم الدّهرية الذين يعتقدون جهلا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا كما كانوا فيها ، كما حكى اللّه تعالى عنهم بقوله : وَقالُوا : ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا ، وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ . . [ الجاثية 45 / 24 ] . ثم أعلمهم أيضا بوجود الحساب والعقاب في الآخرة بعد عذاب الدنيا ، فقال تعالى : وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ أي وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيامة بين يدي اللّه عز وجل ، فيجازيهم بأعمالهم كلّها خيرها وشرها ، وهذا كقوله عز وجل : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ [ هود 11 / 111 ] . وهذا دليل على أنه ليس من أهلكه اللّه تركه ، بل بعده جمع وحساب ، وحبس وعقاب ، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة ، كما قال القائل : ولو أنّا إذا متنا تركنا * لكان الموت راحة كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا * ونسأل بعده عن كل شيّ فقه الحياة أو الأحكام : دلت الآيات على ما يأتي : 1 - إن تكذيب الرسل ما جاؤوا به من الحق يستدعي مزيد الألم والندامة والحسرة . 2 - لا رجعة لأحد إلى الدنيا بعد الموت أو الإهلاك . 3 - إن يوم القيامة يوم الجزاء والحساب والثواب والعقاب الدائم .